بقلم : آية العربى
من أنا؟
سؤالٌ ليس بغريب، جال بخاطر الكثير من الناس، لا نستطيع القول أنهم وصلوا للمعنى والغاية على الرغم من هذا الجَهد المستمر لمعرفة السر، لكن الجميع يحاول
يمكن أن يكون سؤالي فلسفي، أو نفسي، لكن أعتقد أنه سؤالٌ إنساني أكثر، لمعرفة النفس الإنسانية وما بها من تقلبات وصراعات وربطها بما يعايشه في أطواره المختلفة
كم من المضحك حقاً أن هذا المجهول الذي نتحدث عنه هو نحن، أنفسنا التي لا تفارقنا، شيءٌ غريب، لكنها حقيقة، وحقيقة مُره للغاية
تبادر لذهنك الآن أمرٌ مهم وهو: ما أهمية ذلك السؤال؟
نستطيع القول أنه التركيز على الأنا لكن بزاوية مختلفة تماماً عمّا اعتدناه وهي دراسة وعلاج وليست غرور وتكبر وشعور بالترفع عمن حولنا، النفس هي ما نحن عليه، وياحسرتا إذا عرفت الناس وجهلت نفسك، التي هي أقرب إليك من أي شيء، وكأن قربها نِقمة عليك لا نعمة، فلشدةِ قربها منك لا تبصرها، فتحيل الرؤية وهمًا، فنحن لا ندرك قيمة الشيء إلا بعد فراقه، فكأنها ما ابتعدت إلا لتتضح، وما افترقت إلا لتجتمع، مثل (الصحة والعافية والفراغ والأهل) وهكذا هي نفسك، تحتاج للبعد لمعرفتها ودراستها، ولن يكون هذا إلا بجعل نفسك صديقك وملاذك الذي تلتجيء إليه دائما وأبداً، تُحادثُه وتكشف خباياه وتدرك نقاط ضعفه وتحاول تقويمها للصواب، والأكثر تعاسة في العالم هم من ينشغلون بغيرهم وتقصّي العيوب فيمن حولهم وترك أنفسهم وهي الأحوج لتلك الدراسة والأكثر نقصان، فتهملها بما فيها من ماضي وحاضر ومستقبل
يقال "في جمالِ النفس يصبح كل شيء جميل" جميعنا نرى وندرك الجمال الحسي، أما ما خفي لا يدركه ويشعر به إلا قِلة قد اُصطفوا ليدركوا الجمال الأبدي، فالجمال الحسي يقل ويختفي مع تقدم العمر، أما النفس وما بها من جمال وصفاء لا تشيخ أبداً، وتظل كما هي مهما عصفت بها الريح وتقلبت بها الأيام، وهذا ما نحتاجه في عالمنا هذا، عالمٌ مليء بالصراعات والأمراض والظروف القاسية للجميع، وحدَهم من يعرفون أنفسهم يستطيعون تجاوز كل تلك الفوضى بنفسٍ صافية، ورؤية الجمال في كل شيء، تجدهم يعيشون بحب وأمل دائم على سماتهم الرضا والسعادة.
قد وصف أبو حامد الغزالي لنا أحوال النفوس إلى
النفس الأمارة بالسوء وتلك التي تركت الدفاع وأذعنت للشهوات والهوى لتسوقها كيفما تشاء
النفس اللوامة وتلك التي لم تسكن للأمر ولم ترضخ للشهوات وصارت في دفاع دائم للنفس الشهوانية ومعترضةً عليها
النفس المطمئنة تلك التي سكنت وزال اعتراض الشهوات لها ووصلت لذروة النجاح ومصيرها دخول الجنة، فقال الله تعالى في سورة الفجر: ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي))
لكن كيف نصل لإدراكٍ تام لها؟
ومن سيخبرنا أننا قد وصلنا لوجهَتنا الصحيحة؟
حقيقةً ليس لدي إجابه، فلكل شخص إجابته، ولكل نفسٍ مفتاحها وطريقها الذي يتقاطع أحياناً مع بعضٍ منا، لكن الغريب في الأمر هو تجاهلنا لها، وعدم محاولة فهمها، فسرعة الحياة جعلتنا سريعون جداً، أكثر مما ينبغي، ونرى أن المجتمعات السريعة والأكثر إنتاجية هم أكثرهم تعاسةً وكآبة، وربما أكثرهم انتحاراً، فأنا أرى المنتحر لا ينقصه العلم أو التفقه في الدين، أو معرفة حكم المنتحر في الإسلام، بل أكثر ما يجب معرفته هو نفسه، فمعرفة النفس من معرفة الرب، ومن عرف نفسه، عرف مقامهِ عند ربه، يقول سهل بن عبدالله "معرفة النفس أخفى من معرفة العدو، ومعرفة العدو أجلى من معرفة الدنيا" فنرى كل يوم شباب طَموح وناجح، لكنه مضطرب ويعاني من الكثير من الأمراض النفسية، وأشدها تأثيراً عليه هو الاكتئاب، وما سببه له من يأس في الحياة، فيلجأ إلى أكثر الحلول سهولة ورعباً في العالم وهو إزهاق تلك النفس، بأملٍ وهمي لإراحتها قليلاً لكن هيهات
إذا عرفت نفسك وغايتها وسبب وجودها في هذه الدنيا، عرفت أنك لا تملكها، بل هي بيد الله، يقلبها كيف يشاء، فترى إيمانك يزيد وينقص، ومن الممكن أن تتبدل حالك تماماً، إرادتنا قد تُسلب في لحظة، وليس بيدك الأمر، فأنت تتعبد وتعمل بتوفيق ومنه من الله، وإن حُرمت العبادة والسير لطريق الحق، فقد حرمك الله ذلك، فالإرادُة منحة، فاحذر أن تعامله كاختيار فيسلب منك الاختيار، فلا تقدم على رضى الله أمرا، وكن ذليلاً ومنكسراً له دائماً، فالعابد لا يغتر، ولا يرضى عن نفسه أبداً، بل يظل خائفًا منه راجياً رحمته، فلن ندخل جنته إلا برحمته، فلا تحسب أن عملك كافٍ لها، واحذر أن تأخذك الأنا لتظن أنك أعلى شأناً والأقرب منزلةً عند الله، فكل شيء من الله لا باجتهادٍ منك، فمنه نأتي وإليه نعود
لا أظن أننا أجبنا بالقدر الكافي عن سؤالنا، أو حتى قاربنا، لكن مشاركة التجربة ربما تزيل بعض الغموض، وتكشف المستور عنا، فحينما يتشارك الجميع تجاربهم ومشاعرهم في لحظاتٍ مختلفة، أحياناً نعيش التجربة الإنسانية نفسها، فنتعلم منها، أو نحسها لنفهم أعماقنا التي غفلنا عنها، لن تجد الكثير يفهم ما يريد، وما يطمح، يعيش هائماً على وجه لفترة ليست بقصيرة أبداً، في هذه الحالة، لن نستطيع لومه، فهو غير مدرك جهله بنفسه، فقط بالبحث الدائم والاطلاع على كل ما هو جديد، وبالمراقبة يصل للطريق
أكاد أجزم أننا أثناء نقاشنا طرحنا طرق عدة لمعرفة النفس والوصول لخباياها، فمشاركة التجارب أمرٌ مهم جداً، والاستماع لها ودراستها ضروري لكل من بدأ رحلته في معرفة نفسه، وأيضًا لن نستطيع أن نغفل دور قراءة السيرة وتاريخ من سبقونا، فهي في رأيي من أفضل الطرق وأطولها وأجملها على الإطلاق، بدايةً من سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، مروراً بالصحابة والتابعين وسير عظماء أمة الإسلام والمضحين في سبيله، فهم أكثر الناس فهماً لأنفسهم ومعرفتهم بضعفهم فيلجأون للقوي سبحانه وتعالى ويرضون، فالرضا ليس الخنوع والذل، بل الرضا بضعف النفس وعدم الانهزام لذنوبك وخطاياك وعدم القنوط من رحمه الله، فلا تفرح بطاعتك، ولا تجزع وتيأس من ذنوبك إلا بخوفك من سوء الخاتمة، وهذا ما جعلهم ما هم عليه الآن، أخيراً وأهم الطرق هي معرفة أسماء الله الحسنى، بالعلم تعرف الوصول، ومعرفة الدنيا هي معرفة الآخرة
قال الإمام عبدالقادر الجيلاني، "لا تثمنوا أنفسكم، فإنها تأكلكم، كمن يأخذ كلبًا ضارياً فيربيه ويثمنه ويخلو معه، فلا جرم يأكلهُ" معنى هذا ألا تترك عنان نفسك، فإن كنت بها رحيماً، فلا تكن ضعيفًا، كن بين هذا وذاك، لا ضعيفًا تاركاً لها زمام الأمور تتحكم بك كيفما تشاء ولا جلاّد لها تساعد أعدائك على قتلها وخسارتها، قوّمها للطريق الصحيح ولا تستسلم لها مهما حدث
أخيراً هل نستطيع القول بأننا انتصرنا؟
أننا قد فهمناها ووصلنا إلى أعمق نقطة فينا، وصرنا المتحكم الوحيد بها؟
لا لم نصل ولن نفعل، حَسبُ أننا نحاول، فهي معركة مستمرة كما قال جلال الدين الرومي (مكابدتك لنفسك حربٌ لا نهايةَ لها)، فنرجوا من الله الوصول، وألا نفقد أنفسنا فنضيع الطريق، ونصبح كالهائم في الصحراء بحثاً عن الماء فلا يجد سوى الرمال فيموت عطشاً

Comments
Post a Comment