الحجّاجُ وغلامٌ من الخوارجِ


بقلم : آية العربى

بينما كانَ الحجّاجُ جالسًا وحوله السادةُ، دخلَ عليه صبيٌّ من الخوارجِ يبلغُ من العمرِ بضعَ عشرةَ سنةً، دخلَ ولم يعبأْ بوجودِ الحجّاجِ وظلَّ ينظرُ إلى روعةِ البناءِ وما فيهِ من العجائبِ فقالَ: (أتبنون بكلِّ ريعٍ آيةً تعبثون) 
استوى الحجّاجُ وقالَ له: يا غلامْ إنّي أرى لك عقلًا وذهنًا، أحفظْتَ القرآنَ؟ 
- أوخِفْتُ عليه من الضياعِ حتّى أحفظَهُ! وقد حَفِظَهُ اللهُ تعالى.
- أفجمَعتَ القرآن؟ 
- أكانَ مُفَرَّقًا حتى أجمعَه!
- أحكمْتَ القرآن؟ 
- ألم يُنزلْهُ اللهُ مُحكمًا؟
- أفااستظهرتَ القرآن؟ 
- معاذَ اللهُ أن أجعلَ القرآنَ وراء ظهري
فقالَ الحجّاجُ وقد ثارَ غضبُهُ: ويلُكََ قاتلَكَ الله.. ماذا أقولُ؟ 
- الويلُ لكَ ولقومِكَ.. قلْ: أوعيتَ القرآنَ في صدرِك
- من أمُّك؟
- التي ولدتْني
- فأين وُلدْتَ؟
- في بعضِ البراري
- أمجنونٌ أنتَ فأعالجُك؟
- لو كنتُ مجنونًا لما وصلتُ إليكَ ووقفتُ بين يديكَ، كأنّني ممن يرجو فضلَكَ أو يخافُ عقابَك
- فما تقولُ في أميرِ المؤمنين؟
- رحمَ اللهُ أبا الحسنِ رضيَ اللهُ عنه، واسكنَهُ جناتِ النعيم
- ليسَ هذا ما عَنيتُ.. إنّما أعني عبدَ الملِكِ بنِ مروان
- الفاسقُ لعنَهُ اللهُ
- ويحُك.. بم استحقَّ اللعنةَ؟ 
- أخطأ خطيئةً ملأتْ بين السماءِ والأرضِ
- ما هي؟ 
- استعملَكَ على رعيّتِهِ، تستحلًّ دماءهم 
فالتفتَ الحجّاجُ إلى جُلسائِهِ وقالَ: ما تشيرون في هذا الغلام؟ 
قالوا: اسفكْ دمَهَ، فقد خلعَ الطاعةَ وفارقَ الجماعةَ
فقالَ الغلامُ: يا حجّاجُ جلساءُ أخيكَ المسلمِ فرعونَ خيرٌ من جلسائِك، حيثُ قالوا لفرعونَ عن موسى وأخيه "قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ" 
وهؤلاء يأمرون بقتلي.. تقومُ عليكَ الحُجّةُ بين يدي اللهِ ملكِ الجبّارين، ومذلِ المستثمرين
فقالَ الحجّاجُ: هذّبْ ألفاظَكَ وامسكْ لسانَكَ فإنّي أخافُ عليكَ بادرةَ الأمرِ، وقد أمرتُ لكَ بأربعة آلاف درهم.
- لا حاجةَ لي بها.. بيّضَ اللهُ وجهَكَ وأعلى كعبَكَ
التفتَ الحجّاجُ إلى جلسائِهِ وقالَ: أتعلمون هذا دعاءٌ لي أم عليّ
قالوا: الأميرُ أعلى وأعلم، لكن نظنُّ أنّهُ دعاءٌ لكَ
قالَ الحجّاجُ: بل عليّ، يقصدُ بقولِهِ ( بيَّضَ اللهُ وجهَكَ) العمى والبرصَ، وبقولِهِ (أعلى كعبَكَ) التعليقَ والصلبَ.
قالَ الغلامُ: قاتلَكَ اللهُ.. ما أفهمَك؟ 
استشاطَ الحجّاجُ غضبًا وأمرَ بضربِ عنقِهِ
قالَ الرقاشي: هبْهُ لي
ردَّ الحجّاجُ: هو لك لا باركَ اللهُ لكَ فيه
- واللهِ لا أرى أيُّكُما أحمق، الواهبُ أم المستوهِب؟ 
قالَ الرّقاشي: أنقذُكَ من القتلِ وتكافئُني بهذا الكلام؟ 
- هنيئًا لي بالشهادةِ، إنّ القتلَ في سبيلِ اللهِ أحبُّ إليّ من أن أرجعَ إلى أهلي صَفِرَ اليدين.
فأمرَ الحجّاجُ بمائةِ ألفِ درهم، وعفا عنهُ لحداثةِ سنّهِ وصفاءِ ذهنِهِ وحسنِ توكّلِهِ على اللهِ وقالَ له: إيّاك والجرأةِ على أربابِ الأمرِ فتقع مع من لا يعفو عنك.
- العفو بيدِ اللهِ يا حجّاج، والشكرُ له، ولا جمعَ اللهُ بيني وبينك
همَّ بالخروجِ فأوقفَهُ الحرسُ

فقالَ الحجّاجُ: دعوه فواللهِ ما رأيتُ أشجعَ منهُ قلبَا ولا أفصحَ لسانًا، ولعمري ما وجدتُ مثلَهُ قط، وعساهُ لا يجدُ مثلي، فإن عاشَ، ليكونن أعجوبةَ عصرِهِ

Comments