إلى أن يطلع الفجر

 


 

بقلم : سلوى هاني  

في ظل حيرة السلطان بين استعمال القوة لإسكات الناس، والاحتكام للقانون، قرر في النهاية أن يكون القانون هو الحكم     

السلطان: قررت أن أختار .. أن أختار  

الوزير: ماذا يا مولاي؟ 

السلطان: (صائحا  في عزم) القانون

اخترت القانون  

السلطان الحائر أو الاختيار كما كان عنوان إصدارها بالفرنسية، هو اسم مسرحية كتبها توفيق الحكيم قبل نحو خمسين عاما، ولعلها من أهم أعماله ،تدور أحداثها حول سلطان من سلاطين المماليك، وهي تحمل دلالات فكرية ورمزية، واسقاطات سياسية 

حوار غريب بين محكوم عليه بالإعدام والجلاد المأمور بتنفيذ الحكم عند سماع صوت آذان الفجر، عن كيفية تنفيذ حكم دون محاكمة بدأت قصتنا، وبين مفاوضات ورغبات ما قبل الموت شنقا، وتبادل أقداح الخمر وقرع الكؤوس حدثت جلبة أزعجت الغانية التي تسكن قريبا، والتي عجبت من وجود محكوم عليه بالإعدام والجريمة غير واضحة  فاحتالت على الجلاد ومؤذن الفجر حتى منعته من التكبير؛ لتمنع الحكم من التنفيذ  

المحكوم عليه : لا    

ماذا تقول .... ألم تحاكم بعد؟ 

المحكوم عليه : ولم أقدم إلى محكمة ... لقد أرسلت  م ظلمة إلى السلطان، أسأله حتى في أن أمثل بين يدى قاضي القضاة ... أعدل من حكم بالذمة والضمير، وأثره من تمسك بالشرع، وأخلص حام لقداسة القانون ... لكن ... ها هو ذا الفجر يقترب، والجلاد قد تلقى الأمر بضرب رقبتي عند أذان  

الغانية :الفجر

الغانيه: متطلعة إلى السماء : الفجر ؟!... إن الفجر يكاد يبزغ... انظر إلى السماء 

الجلاد: ليست السماء يا سيدتي العزيزة هي التي ستقرر ساعة هذا المحكوم عليه ولكنها مئذنة هذا المسجد، أنا في انتظار المؤذن  

الغانية إنه لا شك في الطريق، أراه في مثل هذه الساعة متجها إلى المسجد  

الحكوم عليه : إذن قد حانت ساعتي  

الغانية: لا ... ما دامت مظلمتك لم  ت فحص بعد   

 المحكوم عليه : هذا الجلاد لن ينتظر نتيجة ال م ظلمة ... أليس كذلك أيها الجلاد؟  

الجلاد: لن أنتظر سوى المؤذن ... تلك هي الأوامر  

الغانية: أوامر من ؟... السلطان ؟  

الجلاد تقريبا   

المحكوم عليه : :تقريبا ؟.... إذا لم يكن السلطان، فمن هو؟  

الجلاد : الوزير ... وأوامر الوزير هي أوامر السلطان   

المحكوم عليه : إني ميت لا محالة 

الجلاد: هو ذاك .. ما إن يصعد الاذان إلى السماء ، حتى تصعد روحك معه ... . إن هذا ليحزّ في نفسي، ويعتصر قلبي حزنا، ولكن العمل هو العمل ، والمهنة هي المهنة   

الغانية: ياللمصيبة .... ها هو ذا المؤذن قد وصل  

المحكوم عليه: قضى الأمر  

الجلاد: أسرع أيها المؤذن ... نحن في انتظارك   

 المؤذن: في انتظاري ؟... لماذا ؟  

الجلاد: لتؤذن الفجر 

المؤذن : أتريد الصلاة ؟ 

الجلاد:  أريد أن أقوم بعملى  

المؤذن : وما شأنى بعملك؟   

الجلاد : عندما يصعد صوتك إلى السماء تصعد معه روح هذا الرجل  

المؤذن : أعوذ بالله  

الجلاد : تلك هي الأوامر   

المؤذن : حياة هذا الرجل متعلقة بحبال صوتي !؟  

الجلاد : نعم   

المؤذن : لا حول ولا قوة إلا بالله   

الجلاد : بادر أيها المؤذن إلى عملك حتى أقوم بعمللمؤذن : وفيم العجلة أيها الجلاد اللطيف ؟ 

الغانية:  صوت المؤذن قد أثر فيه برد الليل، ويحتاج إلى شراب ساخن ... اصعد إلى دارى أيها المؤذن !... سأعد لك ما يصلح صوتك 

الجلاد : والفجر؟

الغانية: الفجر بخير، والمؤذن أدرى بوقته   

الجلاد : وعملي؟  

الغانية: عملك بخير، ما دام المؤذن لم يؤذن بعد للفجر .....أتوافق أيها المؤذن ؟  

الغانية: إنه موافق على دعوتي الصغيرة لوقت قصير ، فهو من خيرة معارفى في الحي 

والمصلون في المسجد   

المؤذن : ليس فى المسجد غير رجلين ... أحدهما غريب عن المدينة، قد اتخذ المسجد مأوى ، والآخر متسول قد اعتصم به من برد الليل والكل يغط الآن في نوم عميق، وقلما استمع أحد إلى أذان الفجر في هذا الشتاء .... ولا ينهض منهم إلا قليل جدا  

الغانية: وأهل الحى أغلبهم من ال  مت ر فين، وأكثرهم نيام  

الجلاد: أتقصدان لن يؤذن الفجر اليوم؟ 

الغانية: قصدنا التأني، وفى التأنى السلامة. وفي العجلة الندامة ... لا تشغل بالك .... إن الفجر سيؤذن في حينه، وأنت على كل حال في مأمن، ولا  ت بعة عليك. المؤذن وحده هو المسئول  هلم بنا أيها المؤذن ..... فنجان من القهوة فيه لصوتك شفاء وصفاء   

 المؤذن: لا بأس بوقت قصير، وفنجان صغير 

الغانية تدخل دارها بالمؤذن   

الجلاد: أرأيت ؟!... بدلا من أن يصعد إلى المئذنة، صعد إلى بيت تلك المرأة 

المحكوم عليه:  المؤذن رجل شهم يخاطر بكل شيء، أما أنت، أنت الذي لن ي وجه إليه عتب ولا لوم ... أنت الآمن المغطى بعذرك ... الخالى من ال ت ب ع ة ، المالك لحجتك ، تثور هكذا وتهتاج وترتاع ؟!... هديء من روعك قليلا يا صديقي، تجمل بالأناةِ والصبر .... وتوكل على الله  

وفي وقت طلوع الفجر بالآذان، مر موكب الوزير والسلطان، فإذا بالوزير ينفعل على الجلاد المخمور أنه لم يتم عمله، وإذ بالمحكوم عليه يطلب العدل من السلطان  

المحكوم عليه: يا مولانا السلطان !... العدل !... ألتمس  العدل 

الوزير: هذا هو المتهم يا مولانا السلطان  

السلطان: سنحاكمك محاكمة عادله وفقا  لرغبتك   

المحكوم عليه: لم  أحا كم بعد.. لم أحاكم

القاضي: اجلس على المقعد، فكوا قيود المتهم .....  اقترب يا هذا!  ما هي جريمتك؟   

المحكوم عليه: لم أرتكب جرما 

القاضي : وما هو الاتهام المنسوب إليك   

 المحكوم عليه:  سل الوزير عنه    

القاضي:  إني أسألك أنت

المحكوم عليه : ما فعلت شيئ ا قط سوى أنى لفظت كلمة بريئة ، لا خطر فيها ولا ضرر، لم أرتكب جرما   

الوزير:  إنها كلمة مروعة أثيمة  

القاضي : ما هي هذه الكلمة ؟   

المحكوم عليه : لست أحب أن أعيدها   

الوزير: الآن لا تحب ... أمـا في وسط السوق وبين جموع  الناس    

  القاضي :  ما هي هذه الكلمة ؟  

الوزير :  قال إن مولانا السلطان النبيل العظيم ما هو إلا عبـد رقيق   

المحكوم عليه : كل الناس تعلم هذا ... وما هو بالأمر الخافي   

الوزير :  لا تقاطعني، وزعم أنه هو النخاس الذي تولى بيع ... سلطاننا في صباه إلى السلطان الراحل   

المحكوم عليه : هذا صحيح وأقسم بالأيمان المغلظة لدي وثيقة فخار لي أعتز بها أبد الدهر 

السلطان:  للمحكوم عليه ، أنت بعتني إلى السلطان الراحل ؟   

المحكوم عليه: نعم 

 فأقيمت له محاكمة سريعة تبين بها أن المحكوم عليه قد ثرثر في السوق بشأن بيعه للسلطان الذي أتى من عائلة شركسية قبل ستة وعشرون عاما، وهذا فتح بابا لتساؤل الجميع عن حقيقة أن السلطان قد تم عتقه قبل وفاة السلطان الراحل أم أن صفة العبودية ما زالت ملتصقة به  

وبعد فض المحاكمة ظهر أن السلطان لا يمتلك وثيقة عتق بالخزائن ورأى الوزير أن من الصواب دفن سر كهذا مع النخاس المحكوم عليه، ولكن القاضي رفض الامتثال لهذه الخطة لأنها مخالفة للقانون الذي يمثله، والحل هو أن  ي طرح السلطان للبيع في المزاد العلني طبقا للقانون، وفي حال موافقة السلطان ستتم الخطة ويشترط على من يرسو عليه المزاد بعتق السلطان مباشرة عقبه، فهناك الكثير سيفدون حرية السلطان بأموالهم 

وفي السوق اجتمعت فئات البلدة جميعها لحضور المزاد الأغرب على مدار أعوام، مزاد بيع السلطان الذي تم تحت اشراف النخاس المحكوم عليه بالإعدام سابقا، واختتم المزاد بدفع مبلغ طائل من قبل مجهول وتم التوقيع على عقد البيع ولكنه رفض التوقيع على حجة العتق لأنه لا سلطة له بذلك، ولم يؤذ  ن له، واتضح أن الغانية هي من وكلته وأصبح السلطان مملوكا لها ورفضت توقيع حجة العتق 

بعد أخذ وقت وافقت الغانية على شراء السلطان والتوقيع على صك عتقه إذا أذنّ المؤذن لصلاة الفجر! وتستضيف الغانية السلطان في بيتها ،وي فاجأ السلطان والغانية بالأذان مبك ر ا، ثم يعلمان أن تلك الخطة من تدبير القاضي، الذي تحايل على القانون، وزعم أن العتق يتم إذا أذنّ المؤذن لصالة الفجر سواء أكان الأذان في موعده، أم في غير موعده، ويرفض السلطان ذلك ،و ي فضّل أن يبقى عند الغانية حتى الموعد الحقيقي لآذان الفجر، ولكن الغانية لمّ ا رأت أن تلك الحيلة مبعثها حب القاضي للسلطان، قررت أن تع يد هي الأخرى للسلطان حريته تعبيرا عن حبها، وقد أهداها السلطان الياقوتة الكبرى التي تزين عمامته، قائلا  : "لن أنسى أبدا أني كن ت عبدك لليلة " 

وفي نهاية المسرحية تصل إلينا الكثير من الأفكار والإشارات من أهمها كيف أن خبايا الأمور غير ظواهرها، فتلك الغانية سيئة السمعة كما يلقبها الجميع بريئة من تهمة العهر، وما هي إلا امرأة ت حب الدف والفن، وهذا ما اكتشفه السلطان عند استضافتها له، كما اكتشفت الغانية طيبة السلطان ودماثة خلقه وأن كل القرارات المتهورة والطائشة كانت من فعل الوزير، كما أن القوي من يحتمي بالقانون والحق، وليس هو من يحتمي بالسيف، وأن الخضوع للعدالة مجد ورفعة وقوة، ونكتشف كم أن المجتمع بحاجة إلى سيادة القانون

Comments