بقلم : آلاء شلتوت
تساءلت أورسولا عمَّا إذا لم يكن من الافضل لها أن ترقد في القبر مرة واحدة، و أن يهيلوا عليها التراب. بدل الموت البطئ كما أنها سألت الرب تهكمًا دون خوف، عما إن خَالَ له أن البشر مصنوعون من حديد، ليتحملوا كل هذه الآلام والعذابات. سألت وسألت مسعرة عماها، و شاعرة برغبة جامحة فى إطلاق اللعنات مثل واحد من الغرباء، و فى أن تسمح لنفسها بلحظة تمرد، اللحظة التى طالما تلهفت اليها، وطالما أجَّلَتْها بقبولها الانصياع للعرف، وأخيرا قررت أن تلقي عن كاهلها كل شىء دفعة واحدة، وتخرج من قلبها ما لا حصر له من ركام الكلمات النابية التى كان عليها أن تبتلعها على امتداد قرن من الخضوع
رواية مئة عام من العزلة للكاتب الكولومبي غابربيل ماركيث، رواية اسبانية تندرج ضمن فلسفة الواقعية السحرية في الأدب وتُرجِمَت فيما بعد إلى سبعة وثلاثين لغة، بما فيها العربية. حيث تحتوي الرواية على الكثير من الحكايات الساحرة التي تأسر لُبّ القارئ، وتأخذه في رحلة أسطورية لتنسج واقعًا يشبه واقعنا الحقيقي وتمزج بين الواقع والخيال؛ خيال مُستنشَق من الأساطير الشائعة محل ما نشأ الكاتب، والواقع الذي طرَّزته الحوادث التاريخية التي ما لبثت أن تترك بصمات حقيقية في عقل الكاتب حتى صارت لمسات أدبية قيمة
والأن يأخذ بأيدينا ماركيث لنخوض القصة بقضاياها وتنقضاتها الجَمّة في رواية تمتد لمئة عام تُصوِر الأحداث التي حلت بعائلة بوينديا على مدى ست أجيال ببلدة وهمية تُسمى ماكوندا، أفراد تلك العائلة كانوا يعيشون في عزلة وأنانية رغم أنهم يقطنون بيت واحد، بما يجعل من حياة هذه الأسرة تجسيداً لحياة الأسرة الأميركية اللاتينية الأرستقراطية التقليدية
تتوالى على مدى الرواية مظاهر العزلة والإنسلاب لدى أشخاصها من خلال جملة من المغامرات الاستكشافية والحربية وسلسلة من الممارسات الغريبة، بحثاً عن معنى حقيقي للحياة، وبخاصة البحث عن الحب الحقيقي، لكن دون جدوى. إذ أن المرة الوحيدة التي نشأت علاقة تخللها قليل من الحب والسعادة، بين "أوريليانو" و"بترا كوتس". وهذه العلاقة كادت أن تتكرر في نهاية الرواية بين "أوريليانو بابيلونيا" و"أمارانتا أورسولا" اللذان قررا إنجاب طفل كان يأمل والده بأن يعيد إحياء مجد الأسرة التي شارفت على الإنقراض. إلا أن العاقبة كانت وخيمة، حيث توفيت "أورسولا" مباشرة بعد وضع طفل له ذيل خنزير، كثمرة لعلاقة سفاح القربى بين والديه، حيث تبين أن الأم لم تكن سوى عمة الأب. ومع هذا الطفل الذي أكله النمل، لم يكتب البقاء لجيل سابع في أسرة "بوينديا". لكن ظهور هذا الحب ولو مع نهايته المأسوية، كأنما يبشر بظاهرة ايجابية ربما قصد الكاتب من خلالها الإيحاء بأن الحبّ الحقيقي يرمز الى القيم الإشتراكية التي آمن بها شخصياً، كبديل لعالم العزلة والأوهام والهواجس العصبية التي ترمز اليها حياة وقيم أسرة "بوينديا" التقليدية البالية
كانت عائلة بوينديا على مدى الرواية تعيش أحداث متنوعة من وفاة وزواج وعلاقات عاطفية حتى أنها تنتهي بنهايات غريبة ومأساوية رغم ذلك درست الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ببراعة تليق بكاتب حاصل على جائزة نوبل في الأدب

Comments
Post a Comment