بقلم : آية العربى
نظر إلى النافذة، وظلت عينيه تدور هنا وهناك، سمع دقات الساعة (تيك توك) وكان قلبه يتزامن معها كأنهما يتنافسان من يسبق الاخر،رفع رأسه للأعلى وتخيل الوقت وقفز بكل حواسه واتجه إلى الباب وأخذ يصغي لأصوات الدرج ولكن الهدوء يخيم على المكان
بدا الأمر غريباً، لم يفعل شيء لساعات ثم قفز فجأة وجمع كل طاقاته لتنفيذ ما يخطط له
قام بتحضير عقدة وربطها بمعطفه، وقطع خرقة من قميص مهتريء تحت الوسادة وطوى القطعة وبدأ يخيطها بداخل الابط الأيسر
من المعطف بطريقة لا ترى من الخارج، خاطها لتحمل فأسا، ثم أخذ قطعة مسطحة من الخشب أضاف إليها صحنا حديديا ناعما وربطهمها معا باحكام، وجعل العقدة متينة جدا وذلك ليثير اهتمام العجوز وانشغالها بالعقدة وعندها تكون اللحظة
نزل الدرج وتابع طريقه بهدوء ورزانة لكي لا يثير الشك، ارتدى قبعته واقترب وأصبح على الدرج المؤدي لغرفة العجوز، توقف لأخذ نفسه واضعا يده على صدره النابض بعنف، وبدأ يتسلق بهدوء وثبات، ولحسن حظه الدرج خالي، نظر حوله وتفحص الفأس في معطفه، قرع الجرس وفُتح الباب قليلا، حدقت فيه بعينين واسعتين وبدأ حديثه بشكل طبيعي، لكن صوته لم يسعفه، دخل إلى غرفتها ثم قال لها: أحضرت لكي شيئا للرهن مثلما قلت لكي المرة الماضية، نظرت إليه وقالت
ماذا جلبت؟
قال لها: علبة سجائر فضية
أخذت العربون وبدأت في فحصه، لكن ضوء الغرفة لم يسعفها، فاتجهت ناحية النافذة، انحنت للحظات، وظهرها اليه، فك معطفه وحرر الفأس من العقدة، وضربها على رأسها، بعد تلك اللحظة خارت قواه، صرخت بصوت منخفض ثم ما لبثت قواه في العودة وأسرع بضربة ثانية وثالثة على رأسها، حتى ماتت
لسنا هنا يا عزيزي بصدد التحري عن جريمة القتل تلك، أو الكشف عن ألغاز وأسرار مرتكبها، لكننا سنبحث بعمق أكثر عن النفس البشرية للقاتل، ما الذي يدفع شخص ما للقتل بدم بارد؟
ما الذي يدور في ذهن القاتل؟
وكيف هي المجتمعات التي تخلق القاتل؟
هذه الأسئلة هي جوهر رواية دوستويفسكي التي أصبحت واحده من أشهر أعمال الأدب الروسي (الجريمة والعقاب)
تحكي الرواية عن طالب قانون شاب يدعي(راسكولنيكوف)، عاني من فقر مضجع، ولم يتمكن من إتمام دراسته، كان يائسا للغاية
وفي أحلك فترات حياته، عزم على قتل مرابية قد باعها آخر قطعة قيمة لدية، هنا نتساءل عن الاضطرابات النفسية الداخلية لديه وهي ما دفعته لارتكاب تلك الجريمة، وطوال رحلتك في قراءة الرواية ستجد أن هناك فكرة تنغص عليه حياته، ويحاول جاهدا طردها من ذهنه ويستنكر كيف فكر فيها من البداية، لكن من غير المتوقع أن تتحول لواقع، تشعر أنه كان مستعداً لها منذ زمن طويل وقد تمت
الرواية تخرج من حيز الجريمة إلى إسقاط تلك الحادثة على صورة المجتمع الروسي وأفكار الكاتب (دوستويفسكي)، وهنا يرفع الكاتب لنا الستار على بعض المشاهد التي تجعلنا نفهم ونحلل شخصية القاتل، حينما وجد طفلة في حالة سيئة ف نبّش جيبه عن المال، اي بالكاد ما وجد بعض المال ليعطها إليها، وهنا قد نستبعد المال كسبب لارتكاب الجريمة، ونأخذكم لتخيل ومناقشة تلك المواقف لنفهم بانفسنا سبب إرتكاب الجريمة، فقد سمع القاتل في يوم ما مناقشة بين اثنين عن تلك المرابية، التي تأخذ الكثير من الأشياء الثمينة مقابل اقتراض بعض المال، فيظهر أنها تستغل فقر من حولها لصالحها، هنا ايضا من الممكن أن نقول إنه يفكر في مساعدة الفقراء بقتل تلك المرأة، أي نقتل واحد لإنقاذ ملايين، فتراه حينما ارتكب جريمة القتل لم يكتفى بضربه واحده على الرأس بل ظل يكرر ضرباته خشيةً من الاستيقاظ مجددا
الحقيقة أن الرواية في ظاهرها تشرح الحالة النفسية للقاتل، لكنها تشرح النفس البشرية بشكل عام، بكل ما تحمله من اضطرابات في المشاعر وتناقضات، وهنا نأتي لذكر تجربة علمية قام بها بعض العلماء عن إمكانية تعذيب أو قتل إنسان لإنسان آخر دون إجبار أو سلطة فوقه، هنا وضع الدكتور (ستاندي ملجريم) شخص في غرفة بها جهاز يشبه الراديو وحاجز وعلى الجهة الأخرى يوجد المشتركون في تلك التجربة، يقوم المشاركون بطرح الأسئلة على هذا الشخص وإذا كانت إجابته خاطئة فيجب معاقبته، وذلك عن طريق صعقه بالكهرباء باستخدام الجهاز الذي يشبه الراديو، وكلما ازدادت أخطاءه زادت قوة الصعق، بعدما تزايدت قوة الصعق لم يسمعوا صوت الشخص في الغرفة، فنظر المشاركون إلى الباحث منتظرين أمره، فيقول أن عدم الرد يعد رد خاطيء ليستمر في صعق الشخص بداخل الغرفة، ومضى وقت طويل ولم يسمعوا صوت الشخص، ومع ذلك ينفذون أمر الباحث بكل طواعية.
هنا نتساءل لماذا كانت نتيجة الاختبار أن ٢٦ بالمئة استمروا في صعق ذلك الشخص حتى حينما لم يسمعوا صوته، وبدون أي سلطة أو إجبار من الباحثين عليهم، فقط هم اعطوهم التعليمات والاخرين نفذوا، هل هؤلاء يشبهون القاتل في رواية (دوستويفسكي) يرددون مذاهب المنفعة والأنانية فيسمحون لعقولهم بنسيان أو تجاوز المحظورات الأخلاقية لتبرير فعلهم، وهنا نجد أن النفس الإنسانية مشتركة في شيء واحد، وهو إذا أرادت فعل شيء ما منافي للأخلاق والصواب بدأت في طرح الكثير من المبررات والأسباب حتى تصل إلى إقناع تام لعقلها، وخفض صوت الضمير بداخلها لارتكاب ذلك الشيء، ويصل للنهاية بتجريد نفسه من الإنسانية

This comment has been removed by the author.
ReplyDeleteجميل اوى
ReplyDelete