شجرة توت

 شجرة توت





في بيتٍ هادئ بعيدٌ كل البعد عن صخب الشارع، حيث يقع في الطابق السابع، وأفراده لا يحتكون كثيرًا بالعالم الخارجي: الأب ذو خلفية دينية ويعمل بوظيفةٍ شاقة، والأم لطيفة وتعمل ببيتها وتهتم بالأطفال وتعليمهم وتحفيظهم كتاب الله، وأربعة أطفال في أعمارٍ متقاربة

استيقظت ذات يوم الفتاة الصغيرة ذات العشرة أعوام والتي كانت تظن أن العالم لها ولعائلتها فقط! كان صباحًا ككل صباحات العائلة الهادئة، مابين أداء الفروض ومساعدة الأم في صنع فطائر التوت المحببة لقلبها، وقراءة الورد اليومي من القرآن الكريم، ثم يأتي وقت ممارسة الهوايات المختلفة كقراءة الشعر والروايات والرسم، ولكنها اليوم تستعد للسفر على خلاف الأيام السابقة، فقد قررت العائلة الذهاب لقضاء أسبوع الأجازة في مدينة أخرى بالقرب من البحر

بعد ساعة من حزم الحقائب ووضعها في أماكنها، ركب الجميع السيارة، وانطلقت بهم مع تذكير الفتاة لباقي العائلة بدعاء السفر، ثم كعادتها عند الخروج من المنزل تبدأ رحلة طويلة من التأمل والتحدث مع الذات، هذه السيدة التي تسير ببطء تحمل بيدها أكياس، هي ليست فقط هنا حتى يكتمل مشهد الطريق لنا، ماهي قصتها ياترى وهل لديها أطفال يشبهوننا! يبدو وكأنها ابتاعت لهم الفاكهة وبعض الخضراوات، ومن ثَم كيف تسير حياتهم؟

هذا السيارة المسرعة بجانبنا هل يمكننا يا أبي أن نتسابق معهم

!الأب: هل تودون ذلك يا فتيات

الأخوة بحماس: نعم يا أبي لقد أسرعنا وتسابقنا مع خمسة وأربعون سيارة منذ بداية الرحلة نريد إكمال الخمسون

ضحك كلاً من الأب والأم بصوت مرتفع، وعندما مر الأب بجانب السيارة، شاهدت الفتاة العائلة الأخرى المكونة من أب وأم وطفلان صغيران وشاب كبير

قالت في نفسها: آه إنهم يتحدثون ويضحكون مثلنا، يبدو أن لديهم عالم كبير يشبه عالمنا كثيرًا وما نحن بالنسبة لهم سوى مشهد لأكمال صورة الطريق 

رباه كيف يكون هذا العالم كبيرًا جدا ومليء بالقصص، قاطع شرودها الأب: انظري يا فتاتي ها نحن اقتربنا من المدينة، أرأيتي ذلك الكوبري هرميُّ الشكل كما تخبرينني عنه كل رحلة! أنه أمامنا يبدو أننا سنصل بإذن الله خلال عشرون دقيقة

الفتاة : نعم يا أبي عندما أراه أشعر أننا اقتربنا كثيرًا، ولكن الطريق مرهق وقد بدأت أشعر بالإعياء

الأم : لا تقلقي يا عزيزتي أغلقي عينيكي الجميلتين، كفاكي مشاهدةً للطريق وخذي قسطًا من النوم بجانب أخوتك 

الفتاة في داخلها بينما تغرق في النوم: يا أمي لو أنك تعلمين ما يدور بداخلي، وهل من مجيب لتساؤلاتي؟ 

بعد أقل من نصف ساعة وقفت السيارة في مكانٍ خلابٍ، فبدا من بعيد وكأن الأشجار تحتضن السيارة مرحبة بالعائلة، واستيقظت الفتيات أخيرًا وحملوا الحقائب واتجهوا إلى غرفتهم بتلك القرية الساحلية الجميلة التي يحبون زيارتها بين الحين والآخر 

كان أسبوعًا هادئًا ما بين لعب الأطفال واستجمام الأب والأم وتأمل تلك الفتاة التي كانت تجلس بالساعات أمام البحر والسماء وأفكارها الداخلية لا تهدأ وكأنها تناجي ربها: ربي أشعر بتشتت كبير، كيف يكون العالم بهذا الاتساع، والبشر بذلك العدد! كيف يمكن أن تكون لهم حياة غير التي نعيشها، وهل تتلاقى تلك الحيوات! وكيف أن السماء كل يومٍ جميلة بشكل لا يوصف ولا يشبه يومًا آخر! سبحانك يا رب، هل يعكس لنا التلفاز العالم الخارجي ومآسي الواقع المرير، ولا يعكس ذلك الجمال!  الحمد لله ربما لم أمر في حياتي بصعوبات، ولكن كيف يكون تدبيرك بها، كم أود معرفة ذلك حتى يكون لدي يقين كامل، لا يستطيع عقلي الصغير استيعاب هذا القدر دون أن أرى بأم عيني خباياه، رب ارشدني وأرح قلبي، هل حديث أبي عن عظمة الخالق والكون هي فقط قصص ما قبل النوم؟ وكالعادة يُقاطَعُ شرودها للمرة التي لا عدد لها خلال الرحلة للاستعداد للرحيل، فاليوم هو اليوم الاخير

في طريق العودة انطفأ حماس الأطفال وهدأت السيارة إلا من بعض العبارات التي يسأل بها الأب أفراد عائلته عن أكثر اللحظات سعادةً لاحت عليهم خلال الرحلة، وعن السلبيات اللتي حدثت حتى يتفادى تكرارها في رحلاتهم القادمة بإذن الله، ولكن فتاتنا لم تخبر أحد بما يختلج في نفسها، يبدو وكأنها كانت تنتظر رحلة أكثر إثارة، هي فقط بعد مرور خمسة وعشرون دقيقة منذ الانطلاق وبعد الظهر بنصف ساعة عندما ظهر من بعيد ذلك الكوبري هرميُّ الشكل قالت : نحن ما زلنا في بداية الطريق وعلى بعد ساعتين من الوصول إلى المنزل، لما لا نكمل الحديث عند العودة ونقضي هذا الوقت في مشاهدة البحر على جانب الطريق، فرحب الجميع بذلك، ولكن وبدون مقدمات سكت الأب وهدأت أصوات محركات السيارة وهدأت سرعة السيارة حتى وقفت في ظلً هرمي أسفل ذلك الكوبري!

تفاجأ الأب وهبط من السيارة ودار حولها حتى يتبين سبب المشكلة

الأب : يبدو أننا عالقون هنا لبعض الوقت، يمكنكم تناول بعض الحلوى والفطائر من تلك الحقيبة الصغيرة حتى تمر سيارة اخرى نطلب منها المساعدة

هبطت الفتاة أيضًا من السيارة ووقفت بجانب الأب وهي تفكر: يبدو أننا سنلتقي بأحد قصص السيارات المسرعة التي كنا نتسابق معها خلال الطريق أخيرًا، وعندما التفتت تخمن أي سيارة يمكن أن تقف لمساعدتها اعاقت أشعة الشمس الشديدة رؤيتها، كما يبدو الطريق غارق بالمياه من بعيد وحرارة الشمس لا تطاق إلا من تلك البقعة اللتي تعطلت بها السيارة! الحمدلله يبدو أن لهذا الكوبري غريب الشكل فائدة غير تحديد المسافة، وشردت مرة أخرى بغرابته حتى تركت السيارة والعائلة وتحركت بعيدًا لمشاهدة تفاصيله عن قرب فإذا بصوتٍ يقطع شرودها لرجلٍ كبيرٍ يتحدث مع آخرين، اقتربت أكثر وأكثر حتى رأت مجموعة من الناس، فجرت مسرعة حيث والدها والسيارة وأخبرته أنه يوجد أناس بالداخل بين الهرم الغريب ونهاية الكوبري.

 !الفتاة: هل يمكننا أن نطلب منهم المساعدة يا أبي

بعد أن أرسل الأب موقعهم لصديقه، واطمئنانه للوضع ذهب وطلب المساعدة فإذا بعائلة كبيرة جدا تسكن خلف هذا الهرم منذ سنوات، كما أنهم يمتلكون مزرعة كبيرة للمانجا وبعض الفواكه الأخرى، جلست العائلة في المزرعة خمس ساعات حتى يتم حل مشكلة السيارة بمساعدة صاحب المزرعة وابنه، وخلال هذه الساعات شاهدت الفتاة جمال المزرعة وتحدثت مع زوجة صاحبها وفتاته، وحكت لهم الزوجة أن لديهم قرية قريبة من هنا يبتاعون منها طعاهم وشرابهم، ويسافرون للمدينة الساحلية التي كانت بها العائلة بين الحين والآخر، وأنهم أسسوا حياتهم في تلك المزرعة منذ ما يقارب من خمسة وعشرون عامًا، عندما حدثت لهم ضائقة مادية كبيرة أجبرتهم على بيع منزلهم هناك، ولم يساعدهم أحد، وأصبحوا وحيدين إلا من تلك المزرعة أمامهم، ولكنهم توكلوا على الله وابتعدوا عن الجميع وبدأوا ببناء هذا الكوخ البسيط بالقرب من الأرض، ثم وسع الله رزقهم واستبدلوا الكوخ بهذا البيت الواسع والذي أصبح يسكنه أخوتهم أيضًا وانتقلت حياتهم تدريجيًا هنا وتأقلموا عليها وأصبحوا يعيشون كعائلة كبيرة مكونة من عشرون فردًا يحفهم الحب، والحمدلله ييسر الله أمورهم جميعًا، ثم تنهدت وقالت: حتى أن ولدي أتى منذ أسبوعين يخبرني حزينًا أنه ترك عمله في الورشة التي كان يعمل بها، ويخشى أنه ليس لدينا في هذا الشهر ما يكفي لنقل محصولنا للمدينة ولكنني طمأنته بأن الله معنا ولن يضيعنا

كانت العائلة مندهشه فكم مرة خلال العام الواحد تمر سيارتهم بجوار هذا الهرم غريب الشكل، ولا يتوقع أحدهم أن حياة كتلك تختبأ خلفه 

وأخذت سيدة المزرعة فتيات العائلة للتجول في الأرض ومشاهدة الأشجار المتنوعة معقبة بين الفنية والأخرى بأحد العبارات التي كانت تدخل قلب الفتاة مباشرةً وكأنها رسائلٌ من الله، ولكن الفتاة لمحت من بعيد شاب يجلس أسفل شجرة ولا يبدو أنه يكترث لهؤلاء الدخلاء الذين اقتحموا المزرعة في مشهد غريب لا يحدث، استنادًا لقول السيدة! وكالعادة شرودٌ آخر قادها حيث يجلس الشاب، وكانت تلك الشجرة هي الوحيدة التي ألفتها منذ قدومهم، ماذا تفعل شجرة التوت تلك وحيدة بالمزرعة! 

أجفلت لصوته وهبطت عيونها المتعلقة بحبات التوت عندما سألها: من أنتي! هل انتهيتي؟

وعندما رأى خوفها، اعتدل في جلسته وأفسح لها مكانًا بجواره، وأشار لها بيده قائلاً: لا تخافي يا صغيرة، أنا معاذ

ثم ضحك بخفة متابعًا: وربما أنا طبيب، أو بمرور بعض السنوات سأصبح طبيبًا، ماذا عنكِ؟

الفتاة: أنا سلوان، وربما بعد بضعة سنوات سأصبح رسامة أو كاتبة، لماذا تجلس وحيدًا هنا ولا ترحب بالضيوف كباقي عائلتك اللطيفة؟

معاذ: أحب النظر إلى السماء، انظري، لا أعلم كيف تبدو كل يوم مختلفة وكأننا نراها للمرة الأولى، أليس كذلك؟

!اتسعت عيني سلوان بشدة وسألته: كم عمرك يا معاذ، تبدو كبيرًا

فأجابها بأنه في الثامنة عشر

تابعت على تردد: هل لديك شعورٌ بالتشتت لذلك تجلس وحيدًا وبعيدًا دائمًا! هل تظل التساؤلات مدى الحياة حقًا وانا التي أود أن أخرج في رحلات كثيرة وتمر بي سنوات عديدةٍ حتى أجد الإجابات المطمئنة!

تعجب معاذ لأفكارها ولم يستطع الإجابة، فقط التفت ينظر للسماء، وأخذ ينظر إليها بين الحين والأخر، بينما لم يضف وجوده في عالمها سوى المزيد والمزيد من التساؤلات التي كانت قد هدأت قليلًا بفضل والدته

مر الوقت سريعًا بينما تجلس هناك بجانبه وأمامها بعض أنواع الفاكهة الغريبة التي لم تتناولها يومًا ولم تعرف لها إسمًا، تنظر لها ولما حولها، تبتسم لأشعة الشمس الدافئة التي تسللت بنعومة بين السحب الحمراء معلنة عن اقتراب المغيب، كما يفعل معاذ كل يوم، ولكنه اليوم ابتسم لبرائتها واختلافها عوضًا عن أشعة الشمس حتى أتت والدتها تأخذها إلى سيارتهم

وقبل انطلاق السيارة سمع الأب أصواتًا، فإذا بمعاذ يهرول نحوهم بيده حقيبة صغيرة مليئة بحبات التوت، سلم على الجميع وودعهم وأعطاها للفتاة الصغيرة معربًا: أنه لا مانع من بعض حبات التوت التي كادت تأكلها بعينيها منذ قليل، ثم عاد حيث كان ورحلت العائلة عنهم

ضحك الأب للأبناء وأخبرهم أن السيارة لم يكن بها شيء يذكر! وأنه عندما اتصل بيه صديقه في منتصف الفحص يطمئن عليهم وعلى السيارة أخبره بما حدث وعن ذلك الشاب المجتهد ابن صاحب المزرعة والذي لحسن الحظ كان مهندسًا وفحص السيارة بدقة شديدة، فسأله صديقه إن كان يعمل بوظيفةٍ أم لا، لأنه يحتاج إلى بعض المهندسين الجدد، فأعطى الأب للشاب رقم صديقه بناء على اتفاق بينهم، وأخبره أن لا أحد حقًا يعلم لم توقفت السيارة هنا، ولكن الحمدلله كانوا أناسًا طيبين رغم كل شيء، ثم التفت الأب للأبناء مضيفًا: لقد اشتريت أيضًا من الرجل الطيب الكثير من الفواكه للعائلة بأجمعها، ولكن لم اشتري التوت، ومن ثَم حبات التوت هذه لكِ يا سلوان فلا أحد يحبه غيرك، أما الآن فلنستمتع بجمال البحر على جانب الطريق، وللحديث بقية عند وصولنا آمنين بإذن الله وحتى تنام الفتيات في هدوء، قاطعته سلوان من المقعد الخلفي بعد أن دمعت عيناها من كل تلك الأحداث والرسائل قائلة: لقد رأيت البحر على جانب الطريق مرات عديدة، ولا أريد النوم، أريد الان أن أخبركم خلال الطريق كم أن الرحلة كانت ممتعة وأكثر إثارة من المرات السابقة يا أبي!

بينما على الجانب الآخر داخل الحجرة الأرضية في بيت المزرعة وصل ابن صاحب المزرعة الكبير بعد أن ذهب بالمحصول للمدينة الساحلية، وعاد بوجبة كبيرة، وجلس الجميع يتحدثون عن ما حدث خلال اليوم، ويشكرون الله على الرزق الذي جاء إليهم في وقت يتكأ فيه كل فردٍ على الآخر قبل أن يتملك اليأس منه، وعندما أخبرهم الشاب الكبير أنه تحدث مع رب عمله الجديد وسيذهب في الصباح لاستلام الوظيفة، دمعت عين الأم وأخذت تمتم بعبارات الشكر والفرح وبارك الجميع له، وخرج معاذ مضطربًا يجلس مرة أخرى أسفل شجرة التوت، والتقط ورقةً بيده من أوراقها وابتسم رافعًا رأسه يتأمل القمر، بينما يحدث نفسه: يبدو وكأنني وجدت إجابة لما يدور    بداخلي، هل كنتي إجابة التساؤلات يا سلوان أم أنك التساؤل الأكبر الآن، كم تشبهين أوراق التوت تلك

في السيارة ضحك الجميع لبعض الوقت وضاع نصف الطريق وأكثر في الحديث حتى لاح ضوء القمر في السماء، فعادت سلوان إلى شرودها متأملة ذلك الضوء الذي يخطف الأنفاس دائمًا، وقد شهد هذا اليوم على لمعة أعين تنظر للسماء، تشكر الله على كل النعم وتؤمن بعظمة الكون وخالقه، تهوى التأمل وتقع غارقة في تفاصيل الخلق لا ينتشلها سوى بعض أحاديث البشر والتي تقودها بطريقة أخرى إلى الغوص في أعماق النفس البشرية وتحليلها

 كم كانت سعيدة بداخلها، ودت لو تعود الآن أدراجها بحثًا عن شجرة التوت، لتحكي لمعاذ قصتها التي حصلت عليها اليوم وكيف كانت بمثابة إجابة مريحة لما يدور بداخلها، وكيف أن تدبير الله للأمور يفوق توقعات البشر وخططهم، ولاح بداخلها همسٌ جديدٌ يخبرها:  ترى كيف سيكون اللقاء مرة أخرى ونحن قد وصلنا

!ثم نظرت للقمر عند هبوطها من السيارة تناجيه بعينيها: هل يمكنك أخباره يا قمري حتى يهدأ داخله أيضًا

ومن بعيد ارتفع صوت الأب وهو يقول: احملي يا سلوان هذه الحقيبة على ظهرك سريعًا وخذي حقيبة التوت بيديك

وقفت متذمرة تخبر والدها: ماذا سأفعل بهذه الحقائب وأين أضعها

الأب: حقيبة الظهر اتركيها في غرفتي وافعلي ما شئت بالأخرى فلا أحد يهتم للتوت غيرك

!ومرة أخرى يخبرها همسٌ بالداخل أن معاذ يفعل

!معاذ يهتم بالتوت وأوراقه

بقلم/ سلوى هاني

Comments